وأنا أتنقل بين هذا الزخم من القنوات العراقية المتكاثرة كعفن الخبز، رصا اختياري على قناة "صلاح الدين" ويا ليتني ما فعلت، فقد ذرفت دمعا كثيرا، حنينا وشوقا لعراق الأمس القريب، الذي أسموه جحيما، وأسميته جنة رغم أن ملائكتها كانوا شياطين مخابرات لا يرحمون… ورثاءً لعراق اليوم، الذي يرونه واحة للديمقراطية، ولا أراه إلا جحيما يحكمه طائفيون حاقدون في عمامة وعباءة "ملائكة ديمقراطيين"… كانت القناة تبث برنامج "رحلة على ضفاف دجلة"، وفي كل حلقة يقفون عند مدينة عراقية، يستعرضون فيها حضارتها: المساجد التي بنيت بها، الصحابة الذين دعوا فيها إلى جادة الإسلام، الكنائس القديمة التي تعبد فيها الحواريون، والبيع التي اعتكف فيها دهرا طويلا أتباع موسى عليه السلام…
كانت الحلقة هذه المرة من نصيب "الموصل"، ليس "موصل" اليوم: حيث الأشلاء غدت وطئا لأحذية المارينز الثقيلة، والناجون من هذا الشعب المشتت يعيشون بلا ماء ولا كهرباء ولا أمن، الواحد منهم لا يستطيع أن يجلس في المقهى أو يتجول في الشارع مخافة أن تختطفه عصابات "مقتدى" أو"بدر" وتغتاله في أحد مراكز الشرطة ثم تنكل بجثته وترمي بها في دجلة. وآخرون من مرارة الإيذاء ينتحرون في سيارات مفخخة بعد أن انضووا تحت ألوية مقاومة اختلط فيها العراقيون "الشرفاء"، بالإيرانيين الصفويين، بأتباع القاعدة الفارين من أفغانستان، وآخرين عملاء مخابرات وهلم جرا، فكيف لك أن تميز الخبيث من الطيب، وكيف لك أن تصف هذه المقاومة الغامضة بالشريفة أو الإرهابية أو حتى العميلة؟ على الأقل، فهي تستمد شرفها من ملاحقة "العلوج الأمريكان" لها (على رأي "الصحاف")، ما دامت التزكية الأمريكية شبهة، وبالمقابل، إدانة "رايس" وسام تشريف.
الحديث إذن عن موصل الأمس، حيث الجامعات تعج بالبعثات الأجنبية الراغبة في تحصيل جديد العلوم الحقة التطبيقية، حيث الكل يقرأ ويكتب لكن لا يعبر. وما حاجته إلى التعبير إن كان ماءه في حنفيته ونوره في مصباحه وأمنه حذو بصره أينما حل أو ارتحل؟ هناك، كان بلح النخيل يقي الجوع، وبراميل النفط تبني الطرقات والمطارات والمجمعات السكنية، لكنها أيضا ترشي صحفيين ومسئولين ودولا بعينها. عفوا، لنكن أكثر صراحة، الوضع في العراق لم يكن بهذه الصورة الوردية، لكنه على الأقل لم يكن بهذه السوداوية التي هو عليها الآن.
فما الذي حدث إذن؟ أَجُرْمٌ أن تخلص شعبا ما من حاكم مستبد وتمنحه حقه في الحرية؟ أليس الاستبداد بشعب دهرا من الزمن والأغلال في يديه جرما يستحق الإعدام؟ من المسؤول عن الوضع الراهن بالعراق؟ هل هو نظام صدام الدكتاتوري؟ أم ديمقراطية الطائفيين الحاكمين الآن؟ أم الجماعات المسلحة الرابضة في المثلث السني؟
إن الإجابة عن هاته الأسئلة، كما هي متداولة إعلاميا وفي الأروقة السياسية، تتطلب أولا تصحيح صياغتها، وذلك لا يتس






















